ابن سبعين

24

رسائل ابن سبعين

وقال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده معه . ومن كلام مولانا عبد السلام بن مشيش لوارثه أبي الحسن الشاذلي : حدد بصر الإيمان تجد اللّه تعالى في كل شيء ، وعند كل شيء ، ومع كل شيء ، وقبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء ، وتحت كل شيء ، وقريبا من كل شيء ، ومحيطا بكل شيء بقرب هو وصفه ، وبحيطة هي نعته . . إلى آخر ما قال . وقال بعض العارفين : الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة ، ومع ذلك لا يخلو منه أين ولامكان ولا كم ولا كيف ولا جسم ولا جوهر ولا عرض ؛ لأنه للطفه سار في كل شيء ، ولنورانيته ظاهر في كل شيء ، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، غير متقيد بذلك ، ومن لم ير هذا ولم يشهده فهو أعمى البصيرة ، محروم من مشاهدة الحق انتهى . ومن كلام القطب سيدي علي وفا رضي اللّه عنه : هو الحق المحيط بكل شيء * هو الرحمن ذو العرش المجيد والنور المبين بغير شك * هو الرب المحجب في العبيد هو المشهود في الأشياء يبدو * فيخفيه الشهود عن الشهيد هو العين العيان لكل غيب * هو المقصود من بيت القصيد جميع العالمين له ظلال * سجود له في القريب وفي البعيد وهذا القدر في التحقيق كاف * فكف النفس عن طلب المزيد واعلم أن الإيمان باللّه هو التصديق الجازم بوجوده أولا ، وبوحدانيته ثانيا ، وباتصافه بصفات الكمال اللائقة به ثالثا ، وبتقديسه عن سمات الحوادث رابعا ، وهذا التصديق له مراتب ذكر في « القوت » و « الإحياء » أنها ثلاثة وهي في الحقيقة تسعة لأن كل مرتبة من المراتب الثلاث منقسمة إلى ثلاثة ، وذكر الغزالي في آخر كتابه : « إلجام العوام » ستة منها وهي أقسام المرتبتين الأوليين ، وأما المرتبة الثالثة فذكرها بأقسامها في كتابه « مشكاة الأنوار » ، ونحن إن شاء اللّه تعالى نذكر خلاصة المرتبتين الأوليين مع التوسع في المرتبة الثالثة ؛ لأنها المقصودة هنا . فنقول المرتبة الأولى : مرتبة إيمان العوام ، وهو إيمان التقليد المحض .